أحمد بن محمد القسطلاني
138
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
بن مالك في المسجد ، وشهر رمضان اللذين هما محلان للذكر لا للغو مع استلزام ذلك لرفع الصوت بحضرة الرسول عليه الصلاة والسلام المنهي عنه ( فرفعت ) أي رفع بيانها أو علمها من قلبي بمعنى نسيتها ويدل له حديث أبي سعيد المروي في مسلم ، فجاء رجلان يحتقان بتشديد القاف أي يدّعي كلّ منهما أنه محق معهما الشيطان فنسيتها ، ( وعسى أن يكون ) رفعها ( خيرًا لكم ) لتزيدوا في الاجتهاد في طلبها فتكون زيادة في ثوابكم ولو كانت معينة لاقتصرتم عليها فقل عملكم وشذ قوم فقالوا برفعها وهو غلط كما بيّنه قوله ( التمسوها ) أي اطلبوها إذ لو كان المراد رفع وجودها لم يأمرهم بالتماسها ، وفي رواية أبي ذر والأصيلي فالتمسوها ( في ) ليلة ( السبع ) بالموحدة والعشرين من رمضان المذكور ( والتسع ) والعشرين منه ( والخمس ) والعشرين منه كما استفيد التقدير من روايات أُخر ، وفي رواية بتقديم التسع بالثناة على السبع بالموحدة . فإن قلت : كيف أمر بطلب ما رفع علمه ؟ أجيب : بأن المراد طلب التعبد في مظانها ، وربما يقع العمل مضافًا لها لا أنه أمر بطلب العلم بعينه . وفي الحديث ذمّ الملاحاة والخصومة وأنهما سبب العقوبة للعامّة بذنب الخاصة والحثّ على طلب ليلة القدر ، ورواته ما بين بلخي وبصري ومدني ورواية صحابي عن صحابي ، والتحديث والإخبار والعنعنة ، وأخرجه أيضًا في الصوم وفي الأدب وكذا النسائي . 37 - باب سُؤَالِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الإِيمَانِ ، وَالإِسْلاَمِ ، وَالإِحْسَانِ ، وَعِلْمِ السَّاعَةِ . وَبَيَانِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ قَالَ « جَاءَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ ، فَجَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ دِينًا . وَمَا بَيَّنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِوَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ مِنَ الإِيمَانِ . وَقَوْلِهِ تَعَالَى { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ } . هذا ( باب ) بغير تنوين لإضافته إلى قوله ( سؤال جبريل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الإيمان والإسلام إحسان ) بإضافة سؤال لجبريل من إضافة المصدر للفاعل والنبي نصب معمول المصدر ( و ) عن ( علم ) وقت لساعة ) قدر بالوقت لأن السؤال لم يقع عن نفس الساعة ، وإنما هو عن وقتها بقرينة ذكر متى الساعة ، ( وبيان ) لجر عطفًا على سؤال جبريل ( النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أكثر المسؤول عنه لأنه لم يبين وقت الساعة إذ كم عظم الشيء حكم كله أو أن قوله عن الساعة لا يعلمها إلاّ الله بيان له ( ثم قال ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وعطف لجملة الفعلية على الاسمية لأن الأسلوب يتغير بتغير المقصود لأن مقصوده من الكلام الأوّل الترجمة ، ومن الثاني كيفية الاستدلال فلتغايرهما تغاير الأسلوبان ( جاء جبريل عليه السلام يعلمكم دينكم فجعل ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( ذلك كله دينًا ) يدخل فيه اعتقاد وجود الساعة وعدم العلم بوقتها لغير الله تعالى لأنهما من الدين ، ( وما بين النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لوفد عبد القيس من الإيمان ) أي مع ما بين للوفد أن الإيمان هو الإسلام حيث فسّره في قصتهم بما فسر به الإسلام ( وقوله تعالى ) وفي رواية أبي ذر وقول الله تعالى ، وفي رواية الأصيلي عز وجل : { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ } [ آل عمران : 85 ] أي مع ما دلّت عليه هذه الآية أن الإسلام هو الدين إذ لو كان غيره لم يقبل ، فاقتضى ذلك أن الإيمان والإسلام شيء واحد ، ويؤيده ما نقل أبو عوانة في صحيحه عن المزني من الجزم بأنهما عبارة عن معنى واحد ، وأنه سمع ذلك من الشافعيّ ، وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى قريبًا . 50 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ : مَا الإِيمَانُ ؟ قَالَ : « الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ ، وَمَلاَئِكَتِهِ ، وَبِلِقَائِهِ ، وَرُسُلِهِ ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ . قَالَ مَا الإِسْلاَمُ ؟ قَالَ : « الإِسْلاَمُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكَ بِهِ ، وَتُقِيمَ الصَّلاَةَ ، وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ » . قَالَ : مَا الإِحْسَانُ ؟ قَالَ : « أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ . قَالَ : مَتَى السَّاعَةُ ؟ قَالَ : « مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ . وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا : إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ رَبَّهَا ؛ وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإِبِلِ الْبُهْمُ فِي الْبُنْيَانِ ، فِي خَمْسٍ لاَ يَعْلَمُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ . ثُمَّ تَلاَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : { إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ } الآيَةَ . ثُمَّ أَدْبَرَ . فَقَالَ رُدُّوهُ . فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا . فَقَالَ : « هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : جَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنَ الإِيمَانِ » . [ الحديث 50 - طرفه في : 4777 ] . وبالسند إلى المؤلف قال : ( حدّثنا مسدد ) هو ابن مسرهد ( قال : حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم ) بن سهم وأمه علية بضم العين المهملة وفتح اللام وتشديد المثناة التحتية ( قال أخبرنا أبو حيان ) بفتح الحاء المهملة وتشديد المثناة التحتية يحيى بن سعيد بن حيان ( التيمي ) نسبة إلى تيم الرباب الكوفي ( عن أبي زرعة ) هرم بن عمرو بن جرير البجلي ( عن أبي هريرة ) رضي الله عنه أنه ( قال ) : ( كان النبي ) وفي رواية رسول الله ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بارزًا ) أي ظاهرًا ( يومًا للناس ) غير محتجب عنهم ويومًا نصب على الظرفية ( فأتاه رجل ) أي ملك في صورة رجل وهو رواية الأربعة ، وفي رواية في أصل متن فرع اليونينية كهي جبريل ( فقال ) بعد أن سلم يا محمد كما في مسلم ، وإنما ناداه باسمه كما يناديه الأعراب تعمية بحاله أو لأن له دالة المعلم ( ما الإيمان ) أي ما متعلقاته وقد وقع السؤال بما ولا يسأل بها إلا عن الماهية ( قال ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( الإيمان أن تؤمن بالله ) أي تصدق بوجوده وبصفاته الواجبة له تعالى ، لكن الظاهر أنه عليه الصلاة والسلام علم أنه سأله